السيد محمد تقي المدرسي

91

من هدى القرآن

وهياكل السمك الموجودة في كل مكان حتى على الجبال ، إلا أن التحليل التاريخي يختلف عن القرآن بأنه يبقى تحليلًا ماديًّا بحتًا ، وبغض النظر عن عدم مطابقته للواقع في اعتقادنا فإنه يُبقي القضية علما مجردا عن الموعظة والعبرة ، فأصحاب النظريات في هذا المجال يفسرون الطوفان - مثلا - بأنه نتج صدفة ، حيث مرت بالأرض عواصف باردة تسببت في تكون جبال جليدية ضخمة ، ثم حدث انفجار في الشمس أخذت الثلوج على أثرها بالذوبان ، فتكونت السيول التي أغرقت اليابسة ، والقرآن يقول : كلا . . إنه لم يكن صدفة ، بل بتقدير إلهي حكيم نقرأ لمساته على هذه الظاهرة الكونية الخارقة للعادة ، حيث سبق إخبار نوح به ، وحيث لم يغرق فيه ولا مؤمن واحد ، ولم ينج منه ولا كافر واحد ، فهل هذا مجرد صدفة ؟ ! . فَالْتَقَى الْمَاءُ المنهمر من السماء ، والمنفجر من الأرض عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ونجد إشارة إلى هذا الأمر الإلهي في قوله تعالى : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ [ هود : 40 ] ، وكان الأمر حكيما في جميع دقائقه ، فهو مقدر من حيث الزمن بدءاً ونهاية ، ومن حيث العوامل وطريقة تنفيذه ، فلو تقدم مثلا عن زمنه المحدود لربما كان يغرق نوح عليه السلام ومن معه لعدم الاستعداد ، ولو تأخر أمر الله بإنهائه ربما لم تكن الأرض بعدها صالحة للحياة عليها . [ 13 - 16 ] وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ وهي السفينة التي تتكون من الجذوع المقطعة شرائح ، ولا يقال لوح إلا للصفائح ، أما الدسر فهو ما يشد الألواح إلى بعضها ، سواء كان ذلك المسمار أو الحبل أو غيرها ، وإذا يتعرض القرآن إلى المواد الأولية التي تتألف منها سفينة نوح فلكي يؤكد أن الأمر لم يكن صدفة ، بل هو مقدر تقديرا حكيما من قبل الله ، وإلا كيف ينجو راكب سفينة هذه طبيعتها من الغرق بطوفان هائل أمواجه كالجبال ؟ ! . ويؤكد القرآن هذه الحقيقة مرة أخرى ، حينما يبين بأن سير الفلك في غضب الطوفان وبالتالي نجاة ركابها كان برعاية مباشرة من الله ، وفي ظل رحمته . تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وعين الله لطفه ورحمته ورعايته لنبيه صلى الله عليه وآله إذ نجَّاه ومَنْ معه جزاء معاناته وإيمانهم ، فقد لبث في قومه مدة طويلة يدعوهم إلى الله بإلحاح رغم كفرهم به وأذاهم له ، ولم تكن نجاته صدفة ، ولا لعنصره ، ولا لركوبه في السفينة وحسب ، بل لعمله وسعيه ، إذ أكد ربنا أنه كان جزاء لنوح الذي كان قد كُفِر برسالته من لدن أولئك الكافرين ، وهذا رأي في التفسير ، وهناك آراء أخرى لا أراها تنسجم مع ظاهر السياق . وفي الوقت الذي دمر الله أولئك ونجَّى هؤلاء ، أبقى قصصهم - وربما السفينة أيضاً - علامة تهدينا إلى الحق ، ولكن لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً